La poésie andalouse et la poésie des troubadours
الشعر الأندلسي وشعر التروبادور
Andalusian poetry and the poetry of the troubadours
La poésie strophique andaouse et la poésie lyrique des Troubadours
Pr Mohammed Abbassa
Université de Mostaganem
Algérie
Blog officiel
***
The Andalusian strophic poetry and the lyric poetry of the Troubadours
William IX (died 1127), Count of Poitiers and seventh Duke of Aquitaine, is considered the first poet from southern France to have introduced rhyme schemes of all kinds into European poetry.***
تأثير الشعر الأندلسي على شعر التروبادور
الدكتور محمد عباسة
جامعة مستغانم
الجزائر
المدونة الرسمية
يُعد غيوم التاسع (Guilhem IX) (ت 1127م) كونت بواتيه ودوق أكيتانيا السابع أول
شاعر من جنوب فرنسا أدخل نظام القافية بكل أنواعها إلى الشعر الأوروبي.
وكان غيوم التاسع أول من نظَم القافية الموحّدة التي اشتهر بها الشعر العربي،
وذلك في ثلاث قصائد من ديوانه.
كما استخدم البروفنسيون القصائد المربعة والمخمسة وغيرها من الأشكال التي نجدها
في المسمطات العربية والموشحات والأزجال.
هذه الأشكال الشعرية التي وردت عند التروبادور، لم ترِد في الشعر الأوروبي الذي
سبقهم. بل تأثروا فيها بالشعر العربي الذي يعد أول شعر عرف القافية.
لقد برَع الشعراء الأوكسيتانيون في القوافي ولم يكتفوا بما نقلوه عن الأندلسيين
بل أضافوا أشكالاً أخرى إلى شعرهم، كما غيّروا في الكثير من عناصر القصيدة.
في الشعر الأوكسيتاني يستهل الشعراء قصائدهم بالمطلع مثلما يرد في الموشحات
والأزجال عند الأندلسيين.
وتسمّى المقطوعة الواحدة من القصيدة عند التروبادور بيتا (vers) وهي التسمية
نفسها التي نجدها في الموشحات والأزجال.
ترِد الأبيات في الشعر الأوكسيتاني متفاوتة الأقسمة، فمنها ما جاء مركّبا من
أربعة أشطر مع قفل من شطر واحد، وهذا الشكل استخدمه الأندلسيون في الأزجال.
لقد نظم ماركبرو قصائد عديدة على منوال الموشحات، ومنها قصيدته المشهورة "الزرزور"
(Estornel)، التي جاءت مطابقة لموشحة أبي بكر الأبيض من حيث الشكل.
وكان غيوم التاسع أول شاعر أوروبي استخدم الأقفال في الشعر إلا أنه أحدث تغييرا
طفيفا خرج بها خروجا قليلا عن النماذج الأندلسية. والقفل يسمّى (vuelta) عند
الشعراء التروبادور.
وقد تخلو القصيدة الأوكسيتانية من المطلع وتكتفي بالأقفال، شأنها في ذلك، شأن
الموشحات والأزجال الأندلسية.
الخرجة عند الشعراء البروفنسيين تُسمّى (finida). ظهرت الخرجة لأول مرة في
الموشحات ثم في الأزجال، ولم يعرف الشعر الأوروبي الخرجة قبل شعراء التروبادور
الذين عاصروا أشهر الوشاحين والزجالين الأندلسيين.
فالخرجة عند الأندلسيين هي القفل الأخير من الموشحة أو الزجل، أما في الشعر
الأوكسيتاني فقد تكون بعض الخرجات القفل الأخير من القصيدة، والبعض الآخر يأتي بعد
القفل الأخير مباشرة وبالقافية نفسها.
لقد تطرقت الخرجات الأوكسيتانية إلى المواضيع نفسها التي طرقها الأندلسيون في
خرجاتهم، وأن الخرجات الأوكسيتانية أيضا جاءت مطابقة تماما للخرجات الأندلسية من
حيث الشكل.
البيت في الشعر الأوكسيتاني يعتمد على الوزن المقطعي بينما الشعر العربي نظامه
كمي. وكلاهما يبنى على التفعيلة. غير أن بعض الموشحات الأندلسية قد تقطع كميا
ومقطعيا أيضا.
وبما أن الموشحات نظمت في الغالب للغناء، فإن بعض القصائد البروفنسية جاءت على
منوال بعض الموشحات من حيث عدد المقاطع الصوتية التي يتكون منها البيت. وقد أخذ
التروبادور هذه الأوزان من خرجات الموشحات التي نظمها الأندلسيون باللغة العجمية.
إلى جانب اللغة الأوكسيتانية أو لغة أوك (oc) التي نظَم بها التروبادور قصائدهم،
استعمل بعض الشعراء مفردات أجنبية في شعرهم، منها ما يعود أصله إلى اللهجات
الأيبيرية واللغة العربية واللغة الإيطالية القديمة وكذلك الفرنسية.
جاءت هذه المفردات متناثرة في ثنايا قصائدهم على غرار ما ذهب إليه ابن قزمان
الأندلسي (ت 1160م) في أزجاله إذ كان يستخدم أحيانا اللفظ العجمي في نظْمه.
ومن الشعراء من يستخدم مقطوعات كاملة بلغة أجنبية، وكان أول من ذهب في هذا الطريق
غيوم التاسع الذي ضمّن قصيدته مقطوعة برمتها صَعُبَ على الدارسين تفسير معناها
وتبيان أصلها اللغوي.
يجمع الباحثون المحدثون على أن لغة هذه المقطوعة الشعرية ما هي إلا لغة عربية
محرفة. لكن غيوم أراد من خلال هذه اللغة المبهمة السخرية من اللغة اللاتينية التي
هي أيضا غير مفهومة في بلاده.
أما ابن قزمان فقد استخدم في أزجاله هو أيضا مقطوعات تكاد تكون كلها بالعجمية.
ومن المؤكد أنه ورث هذه الطريقة عن الزجالين الذين سبقوه أو الوشاحين الذين كانوا
يستعملون العجمية في خرجات موشحاتهم.
لقد نظَم شعراء الأوكسيتانية بعض الأقفال بلغات أجنبية نقلا عن الأندلسيين الذين
نظَموا بعض الخرجات بالعجمية.
استخدم التروبادور البروفنسيون ألفاظا مشتركة بينهم، استهلوا بها مقدمات قصائدهم،
من بينها لفظة "رفاقي" أو "خليليّ" (companho) التي تداولها أكثر من شاعر في مقدمة
قصيدته، وكان أول من استخدمها، الكونت غيوم التاسع الذي بدأ بها قصائده الثلاث
الأولى.
هذه الألفاظ المألوفة عند الشعراء الجاهليين، تعوّد الشعراء الأندلسيون على
استخدامها في شعرهم قبل الشعراء البروفنسيين.
وقد تشبه لفظة "رفاقي" الأوكسيتانية لفظة "صاحبيّ" التي انتشرت كذلك في مقدمات
الشعر العربي من قصائد وموشحات.
لقد تعوّد الشعراء العرب أن يخاطبوا المرأة بصيغة المذكر، وذلك منذ العصر
الجاهلي، كأن يقال لها: سيدي ومولاي وحبيبي، بدلاً من سيدتي ومولاتي وحبيبتي. وقد
استخدمها الأندلسيون أيضا في شعرهم من موشحات وقصائد.
هذه الصيّغ استلطفها البروفنسيون ونقلوها حرفيا عن الأندلسيين إجلالاً للمرأة
واحتراما لها. وكان التروبادور غيوم التاسع كونت بواتيه أول من استخدم لفظة "سيدي"
في الشعر الأوكسيتاني عند مخاطبته المرأة.
لقد تعوّد غيوم التاسع على ذكر لفظة (midons) في بعض قصائده بمعنى سيدي أو مولاي،
وظفها لأول مرة في الشعر الأوروبي. وقد استعذبها الشعراء التروبادور واستخدموها في
شعرهم الكورتوازي للإشارة إلى السيدة.
كما استخدم البروفنسيون لفظة حبيبي وصديقي عند مخاطبتهم سيداتهم في قصائدهم. وقد
جاءت أشعار كثيرة من هذا النوع يخاطب فيها أصحابها سيداتهم بصيغة المذكر، على غرار
ما هو شائع في الشعر العربي من قصيد وموشح وزجل.
وفي الصورة الشعرية، استخدم التروبادور التعابير نفسها تقريبا التي وظفها العرب
في المرأة ومنها الخناجر في صف قساوة العيون، والقمر في وصف الوجه وغيرها.
أ – الحب المؤانس:
من المواضيع التي تطرق إليها شعراء التروبادور الحب المؤانس أو الكورتوازي (amour
courtois) وهو حب فروسي يتسم بالقيم النبيلة. هذا المفهوم يتميز بتمجيد المرأة
والخضوع لها حتى وإن لم تبادل العاشق الشعور نفسه.
وقد وردَ هذا الموضوع في الشعر العربي واشتهر به العذريون الذين لم يكتب لهم
الزواج بمعشوقاتهم، ومع ذلك، ظلّ هؤلاء الشعراء العرب يتغزلون بهن إلى آخر أيامهم.
غير أن حب العذريين لصاحباتهم بدأ قبل زواجهن. لكن الحب الأوكسيتاني قصد سيدات
متزوجات من قبل أو أرامل، وهو تأويل خاطئ لاعتقادهم أن العذريين لا يتغزلون إلا
بالنساء المتزوجات.
ويعد غيوم التاسع كونت بواتيه أول من نظم الشعر الغنائي الكورتوازي. أما برنار دي
فنتادور (Bernart de Ventadorn) (ت 1195م)، فهو من بين الشعراء البروفنسيين الأوائل
الذين طرقوا باب الحب الطاهر وهو من المجددين لشعر الحب المؤانس. فالحب الطاهر الذي
نظمه برنار دي فنتادور لا يختلف كثيرا عن الحب العذري الذي وردَ عند العرب.
أما غيوم دي مونتانياغول (Guilhem de Montanhagol)، (ت 1268م) فهو أول تروبادور
يتطرق إلى العفاف في الشعر الأوكسيتاني. ويذهب مؤرخو الشعر الأوكسيتاني إلى أن غيوم
دي مونتانياغول أول من تطرق إلى موضوع الحب العفيف.
إن الحب العفيف الذي وردَ في الشعر الأوكسيتاني انتقل إلى شعراء التروبادور
بوساطة الجونغلير من الأندلس، واستخدمه الشعراء سلاحا في وجه الكنيسة والسخرية من
رجال الدين الذين كانوا يحتقرون المرأة.
ب – الحبيبة المجهولة:
قصيدة الحبيبة المجهولة وتسمّى أيضا بالحب المستحيل، والحب البعيد (l’amour
lointain) ظهرت لأول مرة عند التروبادور غيوم التاسع. في هذه القصيدة يتحدث الفارس
عن همومه واشتياقه لرؤية حبيبته التي لم يرها في حياته.
ارتبط موضوع "الحبيبة المجهولة" بالشاعر جوفري روديل (Jaufré Rudel) أمير بلايا
(ت 1147م) الذي يعد من أشهر شعراء التروبادور في هذا المجال. لقد هام بحب كونتيسة
طرابلس الشرق، ولم يرها أبدا في حياته ومع ذلك نظَم فيها شعرا كثيرا سمّاه "الحب
البعيد" (amor de lonh).
أما رامبو دورانج (Raimbaut d’Aurenja) (ت 1173م) فقد هام بحب فتاة لمباردية، هي
كونتيسة أورجل (Urgel). لم يرها بل أحبها لما سمع عنها من أوصاف حميدة. وقد نظَم
فيها عددا من القصائد، ولم تكن له الفرصة للقائها ومات دون أن يراها.
الحب بالوصف نوع من الشعر ظهر في الأندلس قبل عصر غيوم التاسع وجوفري روديل
ورامبو دورانج، وقد وردَ عند الأندلسيين في مختلف الأشعار، من قصائد ومقطّعات
وأزجال وموشحات. وفي هذا الموضوع نفسه أورد ابن حزم الأندلسي في "طوق الحمامة"
باباً في الحب بالوصف.
يعد سعيد بن جودي الأندلسي أمير ألبيرة (Elvira) من أبرز الشعراء الفرسان الذين
اشتهروا بهذا الموضوع. لقد دخل ذات يوم مدينة قرطبة، واقترب من قصر الأمير فسمع
جارية تغنّي، كانت موصوفة في زمانها بالجمال والحسن، فهام بذكرها، فقال فيها شعرا
كثيرا ولم يبق منه سوى مقطوعة. ولم يختلف شعراء التروبادور عن أمير ألبيرة في هذا
الموضوع، غير أن الشاعر سعيد بن جودي المتوفى سنة (284هـ-897م)، قد سبق بكثير شعراء
التروبادور الذين ظهروا لأول مرة في البروفنس في مطلع القرن الثاني عشر الميلادي.
ج – قصيدة الفجر:
الفجرية (alba) قصيدة غزلية يتحدث فيها الشاعر عن لقاء فارس وسيدته في ليل حالك،
غير بعيد عن قصر أمير من أمراء الإقطاع، لكنهما يستقصران الليل ويشتكيان من طلوع
الفجر المبكّر. وغالبا ما يكون معهما شخصية ثالثة تتمثل في الصديق الذي يسهر على
حراستهما وأحيانا الرقيب الذي قد يكتشفهما.
هذه القصيدة التي تتهجم فيه الفتاة على بزوغ الفجر استخدمها شعراء التروبادور
للسخرية من رجال الإقطاع الذين يتحصنون في قلاعهم خوفا من أي مكروه خاصة أثناء
الليل.
موضوع "استقصار الليل" ظهر في الشعر العربي قبل ظهور التروبادور، طرقه أيضا
الوشّاحون والزجالون الأندلسيون، كما نظمه المتأخرون من شعراء الملحون في بلاد
المغرب والمشرق.
د – الأغنية الرعوية:
القصيدة الرعوية (pastorella) تخص فتاة ريفية وغالبا ما تكون ترعى الغنم وحدها.
ينظم هذا النوع من الشعر في شكل حوار بين الراعية والفارس الذي يحاول إغراءها بوعود
جميلة، لكن الفتاة، وبأسلوب يغلب عليه الأصالة واللطف، تحبط كل المحاولات التي
يبادر بها الفارس الغاوي. وفي الخرجة يثني الشاعر على الفتاة مستعرضا خصالها
ونبلها.
لقد ظهر هذا الموضوع في ثنايا الشعر العربي، فالشاعر يتغنى بخصال الفتاة البدوية
في المشرق والريفية في المغرب، إلا أن العرب لم يوظفوا موضوع الإغراء كما ذهب شعراء
أوك في مستهل قصائدهم، ومع ذلك جاءت قصائدهم أكثر انسجاما وكأن هؤلاء التروبادور
كانوا ينسجون على منوال نماذج ملزمة.
أ – شكوى الفتاة:
تأتي في الشعر الأوكسيتاني عند التروبادور أمثلة كثيرة تُصوّر لنا الفتاة وهي
تبكي فراق حبيبها. ومن ذلك صوّر لنا ماركبرو في قصيدة حوارية بكاء الفتاة على فراق
حبيبها الذي سيق إلى الحرب، لائمةً في ذلك الملك لويس السابع الذي أمر بهذه الحرب
وهي الصليبية الثانية سنة 1147م.
يرد هذا الموضوع في الموشحات والأزجال الأندلسية. إذ يجعل الوشّاحون الكلام على
لسان الفتاة في المقطوعة الأخيرة بما فيها الخرجة من موشحاتهم. كما وردَ هذا
الموضوع أيضا في بعض الأزجال.
هذه الخرجات كانت تغنّيها الفتيات رفقة العود في مجالس الأنس التي كانت تقام في
قصور المسلمين وفي قصور النصارى أيضا بشمال الأندلس، ونظم على منوالها تروبادور
إسبانيا الأغاني المسماة (cantigas di amigo) بمعنى "أغاني الحبيب".
وهذا من جملة الأسباب التي أدّت إلى انتقال هذا الموضوع إلى ما وراء البرانس من
قبل الجونغلير (Juglares) المتكسبين وهم مداحو الأسواق الذين ترددوا أيضا على قصور
بلاد أوك (pays d’oc)، فتناوله الشعراء التروبادور في قصائدهم وتناقله الذين جاءوا
من بعدهم من شعراء اللغة الأوكسيتانية.
ب – الشخوص:
الرقيب من الشخوص المزعجة التي عانى منها التروبادور، فالرقيب الذي يمنع الفتاة
من أي اتصال خارجي قد يُصعّب من مهمة الفارس العاشق الذي يطمح إلى لقائها. فيقظة
الرقيب تزيد من غبن العاشق وشوقه لا سيّما بعد استحالة اللقاء.
والشعر العربي الغزلي يكاد لا يخلو من شخصية الرقيب التي حتّمتها تقاليد القبيلة
في المجتمع العربي القديم حينذاك. وقد وظفها شعراء اللغة الأوكسيتانية في شعرهم،
ومنهم التروبادور غيوم التاسع كونت بواتيه الذي يحدثنا في قصيدة من قصائد اللهو عن
شكوى امرأة من رقبائها.
وقد تطرق شعراء اللغة الأوكسيتانية أيضا إلى الوُشاة والعذّال والحُسّاد، ذكَروهم
في قصائدهم وتحدثوا عما يسببونه من متاعب للعشاق، فهم في نظر الشعراء أداة التفريق
بين الحبيبين يجب الاحتراس منهم وعدم تصديقهم.
أما برنار مارتي (Bernart Marti)، وهو من شعراء منتصف القرن الثاني عشر للميلاد،
فهو لا يرى فرقا ما بين هذه الفئة من الأشخاص والكفّار، فكلاهما لا يدخل الجنة، فهو
يتمنّى لهم الجحيم لأنهم فرّقوه عن سيدته. وكان ابن قزمان أيضا يتمنّى كل المصائب
للرقيب كما يتمنّى له أن يموت غير مسلم حتى يدخل نار جهنم.
وكان ابن حزم الأندلسي (ت 1064م) قد أورد في "طوق الحمامة" أبوابا في هذا المجال،
منها "باب العاذل" و"باب الرقيب" و"باب الواشي"، ولا يستبعد أن يكون شعراء لغة أوك
الأوائل قد ألمّوا بهذه المضامين التي جاء بها ابن حزم في كتابه.
ج – السر والكتمان:
كان الشاعر البروفنسي لا يتحدث عن المرأة إلا بألفاظ متسترة، وذلك احتراما لشرفها
ومكانتها في المجتمع، وفي هذا الظرف، يعرض الشاعر عن ذكر اسم سيدته، لكنه يشير إليه
بكنية ملغزة، تسمى (senhal) بمعنى الإشارة أو الرمز. ومن ذلك "الفارس الجميل"
و"الجار الطيب" و"مولاي" وغيرها. هذه التسميات جلها مذكّرة، وكأن هؤلاء الشعراء
يخاطبون رجالاً عظاما لا نساء.
وفي "طوق الحمامة" أفرد ابن حزم الأندلسي في كتابه حديثا عن هذا الموضوع سمّاه
"باب طي السر". وقد استخدمه الشعراء البروفنسيون في شعرهم بطريقة شديدة الشبه بما
وردَ عند الشعراء المشارقة والأندلسيين.
د – الخضوع والطاعة:
كانت المرأة الأوروبية في القرون الوسطى تعد من أحقر المخلوقات، لا يأبه بها أحد،
بل ومنبوذة من قبل الكنيسة. وفجأة، من خلال الشعر الأوكسيتاني، أصبح التروبادور
يخضع للسيدة ويكنّ لها كل الاحترام والطاعة ويستسلم لها من أجل الحب، بل ويخدمها
كما يخدم العبد سيده في حين أن تاريخ المجتمع الأوروبي، في تلك الفترة، يكشف عما
يخالف ذلك. هذا التوجه الجديد أثار حفيظة رجال الدين واعتبروه منافيا لتعاليم
الكنيسة.
الشاعر غيوم التاسع، مع أنه كونت ودوق، أول من دعا إلى الخضوع (obedienza) للسيدة
وطاعتها مقابل الرضا. غير أن طاعة الحبيبة فكرة ليست أصيلة في الشعر الأوروبي، ولم
يرثها شعراء التروبادور من كتبِ الرومان أو اليونان، بل أخذوها عن العرب الذين
عَرفوا هذا الموضوع قبل ظهور الشعر الأوكسيتاني.
عبّر شعراء التروبادور عن هذه الفكرة بلفظة الخادم، بمعنى أن العاشق يخدم سيدته
مثلما يخدم الفرسان والعبيد رجال الإقطاع والأمراء في العصور الوسطى، وهي وسيلة
للسخرية من رجال الإقطاع.
أما الشعراء العرب فقد عبّروا عن هذه الفكرة بلفظة العبد، وهي تختلف عن لفظة
الخادم عند الأوروبيين، بمعنى أن العاشق يكون مُلكا للمعشوقة وعبدا لها، تماما كما
يفعل السلاطين والملوك الذين اشتهروا بجمع العبيد من الغلمان والجواري، وكأن
الشعراء أرادوا من خلال مذهبهم، السخرية من هؤلاء الملوك حين سمحوا للضعفاء مثل
النساء أن يستعبدوهم.
هـ – الوفاء والتضحية:
يأتي في الشعر الأوكسيتاني أن الفارس يعاهد سيدته على الإخلاص والوفاء لها حتى
وإن تمادت في تمنّعها. وأما فكرة العهد والوفاء للحبيبة، فلم ترد في الشعر الأوروبي
قبل القرن الثاني عشر الميلادي، بل ظهرت لأول مرة مع ظهور حركة التروبادور.
وفي الأدب العربي أفرد ابن حزم الأندلسي باباً لهذا الغرض في كتابه "طوق
الحمامة"، سمّاه "باب الوفاء" وأثنى عليه. لقد صوّر الشعراء العرب القدامى ضروبا من
الوفاء لم يسبق لها مثيل في أشعار الأمم.
ثم انتقل هذا الموضوع من المشرق إلى بلاد المغرب والأندلس ونظم على منواله شعراء
القصيد والوشّاحون والزجّالون، معبرين عم إخلاصهم ووفائهم لحبيباتهم.
في الشعر الأوكسيتاني يضحّي العاشق بكل ما يملك من أجل سيدته وهو مستعد للموت
شهيدا من أجلها. وكان جوفري روديل قد هام بحب أميرة طرابلس الشرق ولم يرها قط، ومع
ذلك فهو يصرّح في إحدى قصائده بأنه مستعد لأي تضحية من أجل رؤيتها حتى وإن كان ذلك
الأسر عند المسلمين.
ومن الغرابة أن يحدث مثل هذه الظاهرة في المجتمع البروفنسي الذي كان يسوده الصراع
المادّي في القرون الوسطى. لقد تحدّث بعض الشعراء التروبادور عن الاستشهاد في سبيل
الحب والحبيبة. لكن أوروبا في ذلك الوقت لم تكن تعرف معنى الشهادة حتى في حروبها
المقدسة.
أ – وصف الطبيعة:
تعَود شعراء التروبادور على استهلال قصائدهم الغزلية بمقدمات ربيعية، فموضوع
الطبيعة في الشعر البروفنسي الأوكسيتاني لا يأتي إلا متصلا بغرض الحب، ولم يصلنا من
شعر التروبادور قصائد خالصة لموضوع الطبيعة، إلا عند المتأخرين في عصر النهضة
الأوكسيتانية. وكأن هؤلاء الشعراء لا يشعرون بالحب إلا مع الأزهار ولا يستعذبون
الغناء إلا مع تغريد العصافير.
أما في الشعر العربي فإن موضوع الربيع قد يقترن بأغراض أخرى كالحب والخمر والوصف،
وقد يأتي أيضا مستقلا. وما جاء منه مقترنا بالغزل ينتشر انتشارا واسعا في الموشحات؛
فالشاعر يستلهم محاسن حبيبته من جمال الطبيعة.
ورغم تطابق بعض الخصائص في كلا الشعرين. إلا أن الشعراء الأندلسيين ذهبوا بهذا
الموضوع إلى أبعد الحدود حينما قاموا بتشخيص عناصر الطبيعة الجامدة والحية في
أشعارهم وهذا ما لم نلمسه عند شعراء البروفنس.
ب – الشعر الديني:
إن الشعر الديني الذي ظهر في أوروبا قبل ظهور حركة التروبادور، كان عبارة عن
مدائح نظَمها الرهبان بأسلوب لاتيني مباشر لا يختلف عن النثر. وفي عصر التروبادور
ارتبط هذا اللون من الشعر بالحب وتمجيد المرأة. فمن الشعراء من استخدم الحب للهجوم
على الكنيسة ورجالها، وأما الشعراء الموالين للكنيسة فقد عارضوا الحب الكورتوازي
الذي اعتبروه دينا جديدا ودعوا إلى تمجيد السيدة مريم.
كان الشاعر غيوم فيغيرا (Guilhem Figueira) (ت 1250م) الذي خصّص أغنية كاملة
لهجاء البابوية، قد تجرأ على شتم الرهبان والحط من قيمتهم. وأما الكونت غيوم التاسع
فقد دعا المرأة ألاّ تحب أحدا من رجال الدين.
يرى التروبادور الذين كانوا في صراع دائم مع الكنيسة، أن رجال الدين لا يحبّون بل
هم أعداء الحب والمجتمع معا. وفي الأندلس، كان بعض الشعراء أيضا في خصام دائم مع
رجال الدين، ومنهم ابن قزمان الذي أكثر في أزجاله من هجو الفقيه (رجل الدين) الذي
كان يضايقه في مغامراته المُجونية ويمنعه من شرب الخمر.
وفي الشعر الأوكسيتاني يستغل التروبادور المناسبات الدينية، كرأس السنة الميلادية
وغيرها، من أجل لقاء سيدته. وكذلك الشعراء الأندلسيون لم تفتهم هذه المناسبات، أما
ابن قزمان فكان لما يتحدث عن "الناير" ينسى الحب ولا يذكر سوى أطباق الطعام وأنواع
الفواكه.
والناير أو الينير كما يسميه ابن قزمان هو عيد رأس السنة الميلادية وكان
الأندلسيون يحتفلون به يوم أول يناير بتقويم جوليان (Julien)، وبعد سقوط الأندلس،
استقر في شمال غرب الجزائر وشمال المغرب. والناير لا علاقة له بخرافة الفرعون
شيشناق (Sheshonq) (ت 924 ق.م) كما يزعم دعاة الوثنية. وشيشناق كان مقربا من
العائلة المالكة، فاعتلى العرش سلميا بعد وفاة بسوسنس الثاني (Psousennès II) سنة
945 قبل الميلاد لأن ابنه كان متزوجا من ابنة الفرعون.
ج – الشعر السياسي:
قصيدة الحرب في الشعر الأوكسيتاني قد تكون أحيانا ممتزجة بإشارات إلى السيدة وذكر
لحظات الوصال، وقد تأتي أيضا إشارات إلى الحرب في قصيدة الحب. يعد برطران دي بورن
(Bertran de Born) (ت 1215م) من أكثر الشعراء تحمسا للحروب وقد عرف أيضا بشاعر
الهجاء والتكسب.
أما التروبادور ماركبرو فقد نظم قصيدة رعوية تهجم فيها على الحرب الصليبية، لأنها
تسبّبت في فراق الحبيبين، فيصوّر لنا ذلك على لسان الفتاة الريفية التي تبكي فراق
حبيبها الذي سيق إلى الحرب، متهجّمة على الملك لويس السابع (ت 1180م) الذي دعا إلى
هذه الحرب وهي الحرب الصليبية الثانية سنة 1147م.
وفي الشعر العربي، على مر العصور، غالبا ما تكون المرأة رمزا للوطن، يجب الدفاع
عنه بكل الوسائل، فشرف الوطن من شرف المرأة. غير أن الشعراء العرب في القرون الوسطى
لم يستخدموا قصيدة الغزل للسخرية من الملوك والأمراء، باستثناء العذريين الذين يكون
بعضهم قد وظف ليلاه البعيدة المنال، رمزا للسطلة المغتصبة من قبل الأمويين حسب تصور
الشاعر.
وبعد، فإن الشعر الأوكسيتاني الذي نظَمه الشعراء التروبادور في جنوب فرنسا في
القرون الوسطى طرق موضوعات وأغراض أخرى غير التي ذكَرناها، تأثر فيها هؤلاء
البروفنسيون بالشعر العربي.
من الواضح أن الرواية والمسرحية، على اختلاف أشكالها واتجاهاتها، قد تأثر فيها
العرب في هذا العصر، بالآدب الأوروبي. ومع ذلك، فإن العرب كانوا قد نقلوا القصة إلى
أوروبا خلال القرون الوسطى.
فالقصص التي ترجموها من الفارسية والهندية وهذبوها على طريقتهم كما زادوا فيها
كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، قد تأثر بها كتاب الغرب في جل موضوعاتها، فمن ذلك
شخصية شهرزاد، وقصص السندباد البحري، وعلاء الدين والفانوس السحري وغيرها.
أما دانتي اليغييري، فرغم حقده على الإسلام بسبب تكوينه الديني، إلا أنه كان
معجبا بالتراث الإسلامي. لقد أخذ من قصص المعراج ورسالة التوابع والزوابع ورسالة
الغفران في تأليف "الكوميديا الإلهية". كما تأثر أيضا في ديوان "الحياة الجديدة"
بالصوفية العرب، وعلى وجه الخصوص، محي الدين بن عربي الأندلسي (ت 1240م).
أما دانيال دي فو (Daniel de Foe) (ت 1731م) فقد نسج قصة "روبنسن كروزو"
(Robinson Crusoé) على منوال قصة "حي بن يقظان" لابن طفيل الأندلسي (ت 1185م). وكان
ابن سينا (ت 1037م) أيضا قد كتب عن هذه القصة.
يعد لامارتين (Alphonse de Lamartine) (ت 1869م) من أشهر شعراء فرنسا من خلال
ديوانه الشهير "التأملات". وكان قد تأثر في قصيدته "البحيرة" (Le lac) بـ"سينية"
البحتري (ت 897م) في وصف إيوان كسرى بالمدائن من ناحية الشكل والموضوع. غير أن
لامارتين لم يقتصر على نظم الشعر فقط، بل كتب قصصا رائعة تأثر فيها بقصص ألف ليلة
وليلة أشهرها (Geneviève). وكان لامارتين قد زار بلاد الشام وكتب عن المشرق.
أما بوكاشيو الإيطالي (Boccaccio) (ت 1375م)، فهو أيضا كان مولعا بقصص ألف ليلة
وليلة، ويتجلى ذلك من خلال كتابه المشهور "الأيام العشر" (Decameron)، وهي مجموعة
من القصص التي تبدو وكأنها من الليالي العربية.
أما غوته الأديب الألماني الكبير وصاحب فكرة الأدب العالمي، فقد كان قد اطلع على
حضارة المشرق، كما تحدث عن العرب بصورة موضوعية.
وأما سرفنتس الذي اشتهر بروايته "دون كيشوت" (Don Quixote) التي يسخر فيها من
الحب الفروسي، فقد كان مسجونا في مدينة الجزائر العاصمة. وكان قد وظف في هذه
الرواية شخوصا عربية، إلا أن هذا الجندي لم يُعرف إلا بهذه الرواية التي يكون قد
استوحاها من بعض الوثائق التي جلبها من الجزائر. ولم تنجح مسرحياته التي كتبها بعد
رواية "دون كيشوت".
كان لافونتين قد تأثر بالقصة على لسان الحيوان، بالأخص كليلة ودمنة، إلا أنه
استطاع أن يجعل من هذا الجنس الأدبي قصصا تعليمية موجهة للأطفال، فتأثر بها الأدب
العالمي كما تأثر بها الأدب العربي في العصر الحديث.
وهناك مواضيع أخرى في الأدب العربي تأثرت بها الآداب الشرقية والغربية قديما
وحديثا، كما تأثر الأدب العربي هو أيضا بالآداب الأخرى وعلى الخصوص في الأنواع
الحديثة.
***
***